الغزالي
167
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة ، من بعد طول تقلّبها ، وأجسادهم بالية ، وديارهم على عروشها خاوية ، وآثارهم عافية ، واستبدلوا بالقصور المشيّدة ، والسّرر والنمارق الممهّدة الصخور ، والأحجار المسنّدة في القبور ، اللاطية الملحدة ، فمحلها مقترب ، وساكنها مغترب ، بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلّة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان ، على ما بينهم من قرب المكان والجوار ، ودنوّ الدار ، وكيف يكون بينهم تواصل ؟ وقد أكلتهم الجنادل والثرى ، وأصبحوا بعد الحياة أمواتا ، وبعد نضارة العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا تحت التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب ؟ هيهات هيهات ، كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ « 1 » فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلاء والوحدة في دار المثوى ، وارتهنتم في ذاك المضجع ، وضمّكم ذاك المستودع ، فكيف بكم لو عاينتم الأمور ، وبعثرت القبور ، وحصّل ما في الصدور ، وأوقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل ، فطارت القلوب لأشفاقها من سالف الذنوب ، وهتكت عنكم الحجب والأستار ، وظهرت منكم العيوب والأسرار ؟ هناك تجزى كلّ نفس بما كسبت . إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى « 2 » وقال تعالى : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ « 3 » . جعلنا اللّه وإيّاكم عاملين بكتابه ، متّبعين لأوليائه ، حتى يحلّنا وإيّاكم دار المقامة من فضله ، إنّه حميد مجيد . وقال بعض الحكماء : الأيام سهام ، والناس أغراض ، والدهر يرميك كلّ يوم بسهامه ، ويخترمك بلياليه وأيامه ، حتى يستغرق جميع أجزائك ، فكيف بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك ، وسرعة الليالي في بدنك ؟ لو كشف لك عمّا أحدثت الأيام فيك ، من النقص ، لاستوحشت من كلّ يوم يأتي عليك ، واستثقلت ممرّ الساعات بك ، ولكنّ تدبير اللّه فوق تدبير الاعتبار ، وبالسلوّ عن غوائل الدنيا وجد طعم لذاتها ، وإنّها لأمرّ من
--> ( 1 ) سورة المؤمنون ، الآية : 100 . ( 2 ) سورة النجم ، الآية : 31 . ( 3 ) سورة الكهف ، الآية : 49 .